مُوازَنَة قَبض روحِ الُمواطِن
بقلم علي خيرالله شريف
وا أسفاهُ على شعبٍ يَثُورُ لِفَرضِ تَعرِفَةٍ على الواتس آب ولا يُحَرِّكُ ساكناً احتِجاجاً على مُوازنةٍ هي بمثابة مراسِمِ انتزاعِ روحِهِ استعداداً لِدَفنِه.
نعم إنَّ الـمُوازنة التي قَدَّمَها رئيسُ الحكومة التاجر نجيب ميقاتي هي كذلك؛ تَحمِلُ فَرضَ ضَرائِبَ هِستيريَّة وَتَرفَعُ الدَّعمَ عَن كُلِّ شيء قد يستفيدُ مِنهُ المواطن، وَتَزيدُ أسعارَ كُلِّ شيءٍ في هذا البلد، وتَسلُبُ الـمُواطِنَ كُلَّ عَوامِلِ العافِيَة، في خِطَّةٍ أسماها ميقاتي "خطة التعافي". باختصار، هي عمليةُ انصياعٍ تامٍ لِشُروطِ صندوق النقد الدولي الذي ما دَخَلَ دولَةً إلا وأدخَلَ الخرابَ والانهيارَ إليها. تلك هي نَفسُ الشروطِ التي كانَت حَكومَةُ الرئيس حسان دياب تَتَصَدَّى لَها بِكُلِّ بَراعَة، وتُفاوِضُ الصُندوقَ بكُلِّ شَراسَة، لِعَدَمِ التَفريطِ بِحُقوقِ لُبنان وبِحُقوقِ مُواطِنيه.
إِنَّ حُكُومَةَ نَجيب مِيقاتي لم تَقُم مُنذُ مَجيئِها بِأيِّ عَمَلٍ مِن أَجلِ التَخفيفِ مِن مُعاناةِ الـمُواطِن، بَل هِيَ مُنذُ لَحظَتِها الأُولى تَلهَجُ بِذِكرِ صَندوقِ النَقدِ الدَولي وَالـمُجتَمَعِ الدولي على ألسِنَةِ رئيسِها وَوُزرائِها، ويُسَبِّحُونَ بِحَمدِهِما ويَتَمَلَّقُون لهُما، وتسعى الحُكومَةُ جاهدةً إلى طلبِ غُفرانِهِما وَرِضاهُما، مع العلم أنَّ أداء هذا الصندوق لم يكُن يوماً لـِمَصلَحَةِ أيِّ دولة تدَخَّلَ في شؤونها، فلم تأكُل قمحاً أيُّ دولةٍ رَضَخَت لشروطه وَطَبَّقَت وَصَفَاتِهِ. كُلُّ المتابِعين والـمُحَلِّلِين والخبُراء الاقتصاديين يعرفون أنَّ كُلَّ دَولَةٍ فَعَلَتها غَرِقَت بالدُيون والغلاء، وَرَزَحَ شعبُها تحت عَتَبَةِ الفَقرِ والإملاق، وصارت كالخاتَمِ في خِنصرِ ذلك الصندوق، وتحت إمرَةِ الذين يملِكونَهُ ويُديرونَه ويستعبِدون العالَمَ مِن خِلالِه.
ما رَشَحَ من معلومات عن الموازنة تقول أنها تزيدُ الرسومَ والضرائبَ عَشرات الأضعاف، ما سَيُشَكِّلُ عَمَلِيَّةَ سَحقٍ للمواطن المسحوق أصلاً؛ فسيزيدون مثلاً الرسوم على الاتصالات ٢٠ ضعفاً، وسَتُرفَعُ الرسوم الجمركية ١٥ ضعفاً، ورسومُ المياه ٦ أضعاف، والرسوم العقارية ١٥ ضعفاً، ورسم الطابع المالي ١٥ ضعفاً. وتقول هذه المعلومات أن حكومة "التعافي" سترفع سعر كيلوواط كهرباء لبنان من 125 ليرة إلى 3000 ليرة وسترفع رسم فاتورة الهاتف الثابت من 9000 ليرة إلى247,000 ليرة شهرياً، والدولار الجمركي ودولار الاتصالات من 1500 ليرة إلى 8000 ليرة. كما أن هناك مَساعٍ خبيثة لتمرير نصوصٍ قانونية ترَبِطُ الضرائبَ والرسوم بسعر الدولار في السوق السوداء.
إنه مُخَطَّطٌ جَهَنَّمِيٌّ قَذِر، أَعَدَّهُ الـمُتَسَلِّطون على الناس لإفقارهم واستغلالِهِم، بالاتفاق مع صُندوقِ النقد الدولي، وَلـِمَجلسِ النُواب بأكثر أعضائه، النصيب الوافِر مِنَ الشَراكة. فمن أين سيأتي المواطن الـمُفلِس بالمال ليدفع للدولةِ جشعَها؟
أما الـمُصيبة الكُبرى إن حَصَلَت، فهي ما طَرَحَتهُ جَمعيةُ المصارف مِن أَنَّها تُريدُ أَن تَستَحوِذَ على أملاكِ الدَولةِ بِما فيها الواجِهات البحرية، مُقابِل إطفاء "بعض" ديون الدولة تجاه المصارف. وهذا يعني بيع البلد رسمياً بأبخس الأثمان.
فإما أن يَتَحَرَّكَ الشَعبُ بكُلِّ أطيافِهِ وأحزابِه وطَوائفِه، أي بِكُلِّ مُواطِنيه دونَ تَمييِزٍ ودُونَ اصطِفَافات، وإما فَليَعِد نَفسَهُ بالموتِ الزؤام، وتتكَفَّلُ خِطَّةُ التَعافي الميقاتية سَلبَهُ عافيتَه. وَلَن يَنفَعَ عِندَئِذٍ البُكاءُ وصَريرُ الأَسنان. ولا يُمكِنُ لِأَيِّ تَحَرُّكٍ أن يؤتي ثِمارَهُ بالبيانات وَبِوَسائِلِ التواصُل الاجتماعي، ولا بِقَطعِ الطُرُقاتِ وَحَرقِ الدَواليبِ وَخَنقِ البَشَرِ والطبيعة؛ إنما يَكُونُ بِتَنظيمِ حُضورٍ ضَخمٍ ومُتَواصِل، يَسُدُّ مَداخِلَ السراي ومجلسِ النواب، يشارك فيه الشَعب اللبناني عَن بِكرَةِ أبيه، وهنا تَصِحُّ عِبارةُ "كُلُّن يَعني كُلُّن"، أي كُلُّ الشَعب اللبناني يعني كُلُّه، لِكَي لا يتم قبضُ روحِهِ مِن قِبَلِ صُندوقِ النَقدِ الدَولي بِـمساعي الرئيس نجيب ميقاتي وحُلفائه في الداخل والخارج.